من وقت لآخر تطل دعوات حظر "الإخوان المسلمين" ببريطانيا، التي يقودها خبراء ومستشارون أمنيون بريطانيون سابقون- مثل روبن سيمكوكس- بدعوى أن الجماعة تستغل القوانين البريطانية لبناء شبكة معقدة من الجمعيات الخيرية والشركات لتغيير بنية المجتمع من الأسفل إلى الأعلى.

 

آخر دعوات التحريض ضد الجماعة جاءت انطلاقًا من موقع "أنجليكان مينستريم"- منصة إعلامية تابعة للتيار المحافظ داخل الكنيسة الأنجليكانية (الكنيسة الرسمية في إنجلترا) – والذي يطرح التساؤل: ما الذي ينبغي على الحكومة البريطانية فعله حيال جماعة الإخوان المسلمين؟، وهو سؤال قالت إنه لطالما حير صانعي السياسات لعقود من الزمن، وبرز إلى الواجهة الشهر الماضي عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات، لأول مرة، على محمود الإبياري، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين المقيم بلندن.

 

وقيما يشير إلى موقف البيت الأبيض الذي يرى أن هذه الشبكة السرية العابرة للحدود، هي "جذر كل الإرهاب الإسلامي الحديث"، وغيرها من مواقف مشابهة لإسرائيل والسعودية والإمارات، يعلق مستنكرًأ: لم تحظر المملكة المتحدة جماعة الإخوان المسلمين أو تصنفها منظمة إرهابية قط، بل تعاملت معها الحكومات المتعاقبة على أنها مجرد صداع سياسي تتمنى زواله. ويُظهر التحرك الأمريكي أن الحفاظ على هذا الموقف سيكون أصعب من أي وقت مضى.

 

 

استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين

 

ويشير التقرير إلى استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين التي تعرف نفسها على أنها جماعة دعوية تقدم طريقًا وسطًا للمسلمين بين الغرب الملحد والعنف الاستعراضي لتنظيمي داعش والقاعدة. طريق يمزج بين الإسلام والسياسة، ويسعى إلى إحداث التغيير بطريقة ديمقراطية. طريق، كما تقول، سلمي تمامًا.

 

مع ذلك، يزعم أن حالات عدة سُجّلت لأعضاء جماعة "الإخوان المسلمين" والمتعاطفين معها وهم يؤيدون الإرهاب. وقد بذل مفكرها المؤسس، سيد قطب، جهودًا جبارة في دفع عجلة الجهاد الثوري العنيف من خلال كتابه التحريضي "المعالم"، أما مؤسسها، حسن البنا، فقد عمل على إعادة الخلافة.

 

ويقول معد التقرير روبن سيمكوكس، إنه "خلال فترة عملي كمستشار مستقل للحكومة لشؤون التطرف، رأيت بنفسي كيف تدير جماعة الإخوان المسلمين شبكة متطورة تركز بشكل دقيق على أسلمة المجتمعات من القاعدة إلى القمة. وقد غذّت هذه الجماعة المظالم والتطرف بشأن فلسطين والإسلاموفوبيا على وجه الخصوص، وأخفت أنشطتها عبر شبكة معقدة من الجمعيات الخيرية والشركات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المتشابكة".

 

وبحسب رأيه، فإنه "لم يُعطِ جميع الوزراء الأولوية لهذه القضية. ففي نهاية المطاف، لم تكن جماعة الإخوان المسلمين تُفجّر قنابل في شوارعنا. وتساءل أحد الدبلوماسيين عمّا إذا كانوا مجرد مسلمين غريبي الأطوار غير مؤذين، على غرار الماسونيين. ورأى مسؤولون آخرون أن تهديدهم كان خفيًا أو مُشتّتًا للغاية بحيث يصعب على مختلف إدارات الحكومة رصده". 

 

وعلق: "بوبعبارة أخرى، بقيت جماعة الإخوان المسلمين مُصنّفة ضمن القضايا "شديدة الصعوبة". وعلى مدى أربع سنوات تقريبًا، فشلتُ في إقناع الحكومة بتضمين برنامج عملٍ يُمكنه الصمود في وجه التعديلات الوزارية أو تغييرات رئيس الوزراء".

 

 

مخاوف ترامب بشأن الإخوان المسلمين

 

ويرى سيمكوكس أن "مخاوف دونالد ترامب بشأن جماعة الإخوان المسلمين ليست جديدة. فقد ظهرت بعض التلميحات حول إمكانية إدراج الجماعة على قائمة العقوبات خلال فترة ولايته الأولى، ولكن ثمة أسباب عملية وقانونية وفكرية وجيهة دفعت الديمقراطيات إلى التراجع عن حظر الإخوان، وتلاشت الفكرة في نهاية المطاف".

 

مع ذلك، فقد أدى تعيين موظفين في مناصب رئيسة بالإدارة الحالية إلى خلق زخم جديد. ففي وقت سابق من هذا العام، أصدر ترامب أوامر تنفيذية تصنف فروعًا من جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية في مصر والأردن ولبنان والسودان. (وبينما ترغب الولايات المتحدة في المضي قدمًا، فإن الواقعية السياسية ستلعب دورًا حاسمًا: فحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا متأثر بشدة بجماعة الإخوان المسلمين، ومع ذلك فهو عضو في حلف الناتو، وقد دافع ترامب مؤخرًا عن اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعوها مع السعودية وباكستان).

 

ويرى سيمكوكس، أنه من غير المرجح أن يتراجع هذا التركيز على جماعة الإخوان المسلمين. فقد حذرت استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية الصادرة في مايو 2026 قائلةً: "سنواصل (الولايات المتحدة) تصنيف فروعها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه". ويقول سيباستيان جوركا، واضع الاستراتيجية، إن النفوذ الدائم لجماعة الإخوان المسلمين على الجماعات الجهادية في جميع أنحاء العالم يعني أنه ينبغي اعتبارها "الأصل الأقدم لها جميعًا".

 

 

الإخوان المسلمون في بريطانيا 


ولا تقتصر التداعيات على لندن وحدها، كما يقول سيمكوكس؛ فالبيت الأبيض يسعى إلى التوغل في الشبكة الأوروبية أكثر بكثير مما يفعله العبياري. ومع ذلك يرى أن المملكة المتحدة تبقى عرضة للخطر بشكل خاص، لأنها سمحت لشبكات الإخوان المسلمين بالتغلغل فيها على مدى عقود. كما أن الجماعات المتحالفة مع حماس، وهي فرع من الإخوان المسلمين لكنها مندمجة إلى حد كبير في شبكة الإخوان الأوسع في المملكة المتحدة، أصبحت أيضاً تحت أنظار واشنطن.


ويمضي سيمكوكس إلى القول: إن "معارضة الولايات المتحدة تضع المملكة المتحدة في موقف حرج. ليس فقط لأننا كنا قاعدة لجماعة الإخوان المسلمين في الماضي، بل لأن الحكومة الأمريكية تتوقع منا اتخاذ إجراءات عملية فورية. في وقت سابق من هذا الشهر، ألقت المملكة المتحدة القبض على محمد حسناء، وهو تركي مرتبط بمؤسسة خيرية بريطانية، للاشتباه في تمويله لحركة حماس. وقد شكرت السلطات الأمريكية البريطانيين على مساعدتهم، ومن المقرر تسليم حسناء إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، حيث سيتم التحقق من صحة الادعاءات".

 

مع ذلك، أوضح سيمكوكس أن موقف واشنطن الجديد المتجه نحو الأمام أثار بعض القلق في أروقة الحكومة البريطانية، لأن جماعة الإخوان المسلمين ليست في الواقع من أولوياتنا، ولا نملك قصة مقنعة نرويها عن محاولاتنا للحد من نفوذها. بل على العكس، أهدرنا فرصًا عديدة. وقد قدمت مراجعة طلبها ديفيد كاميرون عام 2014، كتبها السير جون جينكينز والراحل تشارلز فار، رؤى مهمة حول عمليات الجماعة، لكن غياب التركيز السياسي في منطقة لندن الكبرى حال دون تحقيق نتائج سياسية جوهرية ودائمة.

 

 

الخطوات اللازمة لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين

 

وأشار سيمكوكس إلى أنه عند تقديم توصياتي للوزراء بشأن الخطوات اللازمة لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين، اعتبرتُ تعزيز الرقابة على القطاع الخيري سلاحًا رئيسًا في ترسانة الحكومة. وقد لاقت خطة عمل الحكومة لتعزيز التماسك الاجتماعي، التي أُطلقت في أبريل، ترحيبًا في هذا الاتجاه، وكانت هناك تحركات مماثلة مُرتقبة في الأيام الأخيرة من ولاية حكومة ريشي سوناك.

 

وذكر أنه من غير الواضح مدى أولوية هذا الأمر بالنسبة لأندي بورنهام رئيس الوزراء الحالي، لكنه اعتبر بالفعل أنه من المناسب سياسيًا أن يعتذر عن عدم رغبة سلفه في الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة في وقت سابق.

 

وتابع سيمكوكس معلقًا: ينبغي أن يكون هذا بمثابة تذكير بأن للسياسة دورًا جوهريًا هنا. إحدى هيئات إنفاذ القانون التي كنت أتعامل معها خلال فترة عملي مع الحكومة لم تُبدِ أي اهتمام بالحديث عن جماعة الإخوان المسلمين حتى نشر إيلون ماسك على موقع "إكس": "لماذا يؤوي ستارمر إرهابيين معروفين؟". وكان السياق بيانًا صحفيًا صادرًا عن الإمارات العربية المتحدة يُعلن حظر ثماني شركات مقرها المملكة المتحدة لصلتها بجماعة الإخوان.

 

وفيما يرى أن شبانة محمود، وزيرة الداخلية أثبتت بالفعل جرأتها في ملف الهجرة، يقول إن عليها أن تُظهر حماسة مماثلة فيما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين والتطرف بشكل عام. ولا ينبغي أن تحتاج المملكة المتحدة إلى ضغوط من واشنطن لإدراك خطورة التهديد وإحداث تغيير ملموس.

 

https://anglicanmainstream.org/article/why-wont-the-uk-curtail-the-muslim-brotherhood/